علي بن محمد التركه

تقديم 38

شرح فصوص الحكم

واسمه . نعم ، إنّ العقل الذي يقولون به ويعبّرون عن العلوم المنسوبة إليه ب « العلوم الرسميّة » ، إنّما يريدون به القوّة الفكريّة التي تأخذ العلوم من مباديها بتوسّط استخراج الأوساط وتأليفها مع حدّي المطلوب ، على أنّ الحافظة والمتوهّمة والمتخيّلة قد لا تطيع العقل الفكري وتنقاد لتلك القوّة ، بل تصير من جملة خوادمها وآلاتها فلا يمتنع أن يعبّر ما أدركته تلك القوّة بشيء من العبارات عنه » . وقال أيضا « 1 » « وما قيل - : إنّ علوم النظَّار مأخوذة من الحواسّ ، وعلوم أصحاب المجاهدة مأخوذة من المبدء الفيّاض - فليس بشيء فإنّ الحواسّ هي المعدّات الأول في الطريقين ، ومفيض المعارف والعلوم هو المبدء الفيّاض بالذات . . . » . ثم بعد ذلك أثبت أنّ أهل الكشف أيضا لا غنى لهم عن الفكر والنظر لتمييز الكشف الصحيح عن الخيالات الواهية قائلا « 2 » : « اعلم أنّ أصحاب النظر والتعليم عندهم علم يمكن أن يتميّز به النظر الصحيح عن الفاسد ، ويمكن أن يعرف به وجه الحقّ عن الباطل ، وليس عند السالكين من أصحاب المجاهدة آلة شأنها ما ذكرناه . فلئن قيل : « إنّ علومنا وجدانيّة ، وكما لا يفتقر في حصول العلوم الضروريّة إلى صناعة آليّة مميّزة ، فكذلك العلوم الحاصلة لنا بالذوق والوجدان » . قلنا : إنّ ما يجده بعض السالكين قد يكون مناقضا لما يجده البعض الآخر منهم ، ولهذا قد ينكر البعض منهم البعض الآخر في إدراكاتهم ومعارفهم . ومتى عرفت هذا فنقول : لا بدّ للسالكين من أصحاب المجاهدة أن يحصّلوا العلوم الحقيقيّة الفكريّة النظريّة أولا . . . حتّى يصير هذه العلوم النظريّة التي تكون من جملتها الصناعة الآليّة المميّزة بالنسبة إلى المعارف الذوقيّة كالعلم الآليّ المنطقيّ بالنسبة إلى العلوم النظريّة الغير المتّسقة المنتظمة ، فلو تحيّر الطالب السالك وتوقّف في بعض المطالب التي لا تحصل له بالفكر والنظر ، حصّله بالطريق الآخر ، ويدرك وجه الحقّ فيه بالملكات المستفادة من هذه العلوم الحاصلة له بالفكر والنظر . . . » .

--> « 1 » تمهيد القواعد : 262 - 263 . « 2 » تمهيد القواعد : 269 - 270 .